الشيخ محسن الأراكي
369
كتاب الخمس
ثانياً : قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ « 1 » ، فإنّ التعبير بالاستخلاف عن ملكيّة الناس لما في أيديهم من الأموال ظاهر في الاستخلاف التشريعي ، لأنّ الاستفعال هنا يدل على الجعل والتشريع أوّلًا ، وثانياً : لقرينة السياق ؛ فإنّ الوصف هنا مشعر بالعلّية ، والمناسب للتعليل هو الاستخلاف التشريعي الذي يعني : أنّ الأموال التي بأيدي الناس هي لله بالملك التشريعي وقد استخلف عليها هؤلاء الناس كما هم يستخلفون بعضهم على أموالهم ، ومن لوازم الاستخلاف أن يمتثل المستخلَف أمر المستخلِف في ما استخلفه فيه ، فعليهم أن ينفقوا من تلك الأموال التي استخلفهم الله عليها . أمّا الاستخلاف التكويني بمعنى التمكين والتسليط الصرف مجرداً عن التسليط الشرعي ، فهو وإن كان صحيحاً في ذاته فإنّ الله هو الذي مكّن أصحاب الأموال من أموالهم التي بأيديهم ، ولكن الاستخلاف بمعنى التمكين إن كان مجرّداً عن الاستخلاف التشريعي ، لا يستلزم وجوب امتثال المستخلَف لأمر المستخلِف ؛ لأنّ الاستخلاف التكويني لا يستلزم شرعيّة سلطة المستخلِف ، فضلًا عن شرعيّة استخلافه لغيره ، لكي يصحّ كونه سبباً وعلّة لوجوب امتثال أمر المستخلِف بالانفاق . ومن الدليل عليه من السنّة : أوّلًا : ما رواه الكليني والصدوق بسند صحيح عن أبي عبد الله ( ع ) قال : " إنّ جبرئيل كرى برجله خمسة أنهار : لسان الماء يتبعه الفرات ؛ ودجلة ؛ ونيل مصر ؛ ومهران ؛ ونهر بلخ . فما سقت أو سقى منها فللإمام ، والبحر المطيف بالدنيا " « 2 » .
--> ( 1 ) . سورة الحديد : 7 . ( 2 ) . الوسائل ، أبواب الأنفال ، الباب 1 ، الحديث 18 .